الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

حين تفقد الكلمة وزنها

حين تفقد الكلمة وزنها
بقلم: ريمون عصام خليل
محلل للشأن العام وكاتب الخبطة الاستقصائية
كاتب يقدم رؤى نقدية للواقع من خلال السرد القصصي والحكم المستخلصة
في زمنٍ أضحت فيه الكلمة أسرع من التفكير، وأقصر عمراً من لحظة النطق بها، قد يسطر المرء جملة واحدة في لحظة غضب أو انفعال عابر، ليصطدم بكون أثرها وتداعياتها قد تجاوزا بكثير اللحظة السطحية التي خرجت فيها. عبارة تُلقى بتسرع، أو تعليق يُدون في الفضاء الرقمي بلا مراجعة، أو معلومة تُنقل في المحيط الميداني دون تحقق، قد تستحيل خلال دقائق معدودة إلى أزمة حقيقية وموقف يندر التراجع عنه أو محو تبعاته.
وهنا تحديداً تتجلى العقدة وتتضاعف خطورة الخلل.
إن الكلمة في واقعنا المعاصر لم تعد مجرد همس أو صوت ينقضي بانقضاء مجلس الحديث؛ بل أصبحت مادة قابلة للانتشار السرطاني، والنسخ، وإعادة التدوير عبر الفضائيات والوسائط التفاعلية، لتصل في ثوانٍ معدودة إلى شرائح وأشخاص لم يكونوا طرفاً في الموقف الأصلي ولا صلة لهم بملابساته. ومن هذا المنطلق، أضحت المسؤولية الأخلاقية والمهنية للإنسان عما ينطق به أو يخطه قلمُه أكثر أهمية وجسامه من أي وقت مضى.
والجانب الأكثر إيلاماً وخطورة يتمثل في سلوك بعض الأفراد الذين يتذرعون بمفهوم “حرية التعبير” باعتباره صك أمان وإعفاءً مطلقاً من المسؤولية والضمير. هؤلاء يخلطون بغرابة بين حق الإنسان المكفول في التعبير عن رأيه الشخصي، وبين ممارسة الوصاية وإطلاق الاتهامات المرسلة وترويج الشائعات الفاقدة للتوثيق الميداني.
إن الاختلاف الفكري في وجهات النظر ظاهرة صحية، والنقد البناء الرصين يُعد ضرورة لا غنى عنها لأي مجتمع يطمح نحو الإصلاح والارتقاء، بيد أن تحويل الرأي المجرد إلى قرار إدانة، واستبدال الشكوك الفردية باتهامات قطعية، والتعامل مع الشائعة غير المؤكدة بصفتها «حقيقة مجردة»، هو المسار الأقصر لانتهاك الحقوق وصناعة مظالم جديدة يتأذى منها الأبرياء.
وفي الحقل الصحفي والإعلامي تحديداً، تتضاعف هذه الجسامة بشكل استثنائي؛ فالصحفي المهني أو الكاتب الاستقصائي لا يتعامل مع مفردات لغوية عابرة، بل يدير معلومات وقضايا تمس سمعة أسر، وتصنع اتجاهات الرأي العام، وقد تثير حالة عارمة من الفزع والارتباك الاجتماعي إن ساء استخدامها.
ولذا، فإن الطرح المهني القويم والمسؤول قبل الإقدام على عملية النشر لا ينبغي أن يتلخص في السؤال السطحي: «هل هذه المادة ستجلب المتابعات وتثير الجدل؟»، وإنما يجب أن يتجذر في تساؤلات استقصائية جادة: هل المعلومة موثقة وصحيحة؟ وهل أملك المعطيات والأدلة الكافية لإسنادها؟ وهل يخدم نشرها مصلحة حقيقية ووعياً مستنيراً للقارئ؟
إن التريث والتمهل قبل إطلاق القول ليس مؤشر ضعف، وشطب جملة غير دقيقة من النص ليس تراجعاً أو هزيمة، والاعتراف بشجاعة بعدم اكتمال الصورة ليس عجزاً؛ بل هو في جوهره أسمى صور الاحترام لعقل القارئ، وأعلى درجات الأمانة الأخلاقية التي تحملها الكلمة.
قد يسقط من ذاكرة الناس الكثير مما نطقت به ألسنتنا، لكنهم أبداً لن ينسوا أثر كلمة جرحت كرامتهم، أو أضرت بمصالحهم، أو ظلمتهم جهاراً.
والحكمة التي تستحق أن تبقى معنا:
الكلمة مسؤولية؛ فقبل أن تطلقها، تأكد أنك قادر على تحمل أثرها.
ملخص الموضوع ببساطة:
المقال بيتكلم عن الاستسهال في الكلام والتسرع في النشر وإزاي الكلمة ممكن تخرب حياة ناس لو خرجت بدون مسؤولية.
فكرة المقال متلخصة في نقاط بسيطة:
* الكلمة مبقتش بتتمسح: زمان الكلمة كانت بتتقال وتتنسى، النهاردة الجملة أو التعليق بيتنقل ويتنسخ في ثواني ويوصل لآلاف الناس، عشان كده المسؤولية بقت أكبر بكثير.
* الحرية مش فوضى: فيه فرق كبير بين حقك إنك تقول رأيك وتنتقد بأدب، وبين إنك تطلق اتهامات على الناس أو تنشر معلومات مش متأكد منها وتعتبرها «حقيقة».
* أمانة الصحافة والإعلام: الصحفي والكاتب كلامهم بيمس سمعة ناس وبيوجه المجتمع، وعشان كده السؤال قبل النشر مش «هل الموضوع ده هيعمل فرقعة؟»، لكن «هل الكلام ده صح ومفيد ومثبت بالأدلة؟».
* التراجع شجاعة واحترام: التريث قبل ما تتكلم، أو مسح معلومة مش دقيقة، مش ضعف؛ ده احترام لعقل اللي بيقرأ لك وحفظ لأمانة الكلمة.
* الخلاصة: الناس ممكن تنسى كلام كتير، لكن عمرهم ما هينسوا الكلمة اللي ظلمتهم أو أذتهم.. الكلمة مسؤولية ولازم تحسب أثرها قبل ما تطلعها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى